البحث


مدونة السيف الأثري للرد على ضلالات الأشعرية

الثلاثاء، 9 يناير 2018

حكم حديث معاوية بن الحكم - رضى الله عنه - بلفظ "أين الله" والرد على السقاف ونضالة آلة رشى - الجزء الأول

بواسطة : Unknown بتاريخ : 12:07 م

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد ،،،
فإن الحكم بصحة الحديث أو بضعفه، أو باضطرابه واختلاف لفظه مبنيٌّ على قواعد فى علم الحديث مشهورة، وفى كتب الأئمة مبينة ومسطورة.
وينبغى - بل يجب - على من يتصدى للحكم على الأحاديث - فوق درايته بقواعد هذا الفن وقوانينه - أن يكون بحثُه مجرَّدًا عن الهوى، بل لأجل البحث عن الحق الذى يرضى رب العالمين - جل جلاله -.
فالذى يبحث عن حديث - وهو يحكم فى نفسه بصحته أو بضعفه ابتداءً قبل النظر فى رواياته وطرقه - لن يصل إلى الحق، بل سيوصل نفسه إلى ما يريد، وسيوهم نفسه والمنخدعين بصحة ما حكم به فى نفسه ابتداءً.
ولا شك أن مثل هذا لن يصل لمراده إلا بالبتر والتدليس، بل ربما والكذب فى بعض الأحايين.
ولذا لن نجد مثل هذا وأمثاله يذكرون كل ما يُقال فى الحديث، أو فى رواته، ثم يرجحون الحق بدليله.
وهذا الحديث الذى انتشر بين الأنام، وعلمه العلماء والعوام، فبين مصحح لمتنه وحاكم عليه بالاضطراب، ومحتج به ورادٍّ له فى الباب.
وقد اشتهرت تسميته بحديث "الجارية".
وقد صنف فى تضعيفه بعض المحدَثين - بفتح الدال - فمنهم: حسن السقاف، حيث صنف كتابه "تنقيح الفهوم العالية بما ثبت وما لم يثبت من حديث الجارية".
وصنف نضال آلة رشى "رفع الغاشية عن المجاز والتأويل وحديث الجارية".
لكن كتاب السقاف أوسع، ولذا فإننا سنعرض ما قال وسنزنه بميزان الشرع وما تقتضيه قواعد أهل العلم الحديثية والأصولية، وبالله توفيقنا.
** المبحث الأول **
الكلام على إسناد الحديث

المطلب الأول
الكلام على أسانيد الأحاديث

أولاً: لابد أن نعلم أن ما يسمى بـ"حديث الجارية" ليس حديثًا واحدًا، وليست واقعة واحدة، بل هي وقائع مختلفة وردت في أحاديث متنوعة، اختلفت ألفاظ هذه الأحاديث باختلاف الوقائع.

ثانيًا: أنه إذا ثبت أن الوقائع مختلفة، وأن الأحاديث اختلفت ألفاظها بحسب اختلاف كل واقعة، فلا يصح أن نرجح بين الأحاديث وبين الوقائع، إذ من البديهي أن تختلف ألفاظ كل واقعة عن غيرها.

ثالثًا: أنه قد تقرَّر في علم الأصول، أنه إذا اختلفت الرواية فإن أمكن الجمع بين ألفاظ الروايات جميعًا كان ذلك أولى من ترجيح رواية على أخرى.

رابعًا: تخريج الحديث، وبيان طرقه ورواياته:
ما يُعرف بحديث الجارية ليس حديثًا واحدًا، وليس واقعة واحدةً كما قلنا، وإنما هي أحاديث وواقع:
وهذه الأحاديث هي:
1- حديث معاوية بن الحكم.
2- حديث الشريد بن سويد.
3- حديث أبي هريرة.
4- حديث ابن عباس.
5- حديث ابن عمر.
6- حديث كعب بن مالك.
7- حديث أبي جحيفة – رضي الله عنهم - ، كما روي مرسلاً من طرق أخرى.
الحديث الأول: حديث معاوية بن الحكم السلمي – رضي الله عنه -:
وهذا هو الذى فى صحيح مسلم، ولأجله عقدنا هذه المباحث، وصنف السقاف وآلة رشى رسالتيهما.

وحديث معاوية لم يروه عنه سوى عطاء بن يسار، وتفرد به عن عطاء بن يسار هلال بن أبي ميمونة، وعن هلال ثلاثة طرق:

الطريق الأول: طريق يحيى بن أبي كثير، وعنه:
  1. حجاج الصواف: أخرجه مسلم (537) وأحمد (23762) وابن أبي شيبة (30342) وفي "الإيمان" (84) حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية عن حجاج الصواف... به مطولاً.
    وأخرجه أبو داود (930) بإسنادين: الأول: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، ثم حول السند فقال: وحدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم... به.
    وأخرجه أبو نعيم في مستخرجه على مسلم (1183): حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ثنا أبي وعمي أبو بكر قالا ثنا إسماعيل بن إبراهيم عن حجاج الصواف... به.
    وأخرجه المحاملي في أماليه (319) حدثنا إسماعيل بن علية حدثنا حجاج ... به فذكره مختصرًا وفيه أنه لم يسألها إلا سؤالاً واحدًا: من أنا؟.
    ولم يذكره مختصرًا سوى المحاملي، وقد خالفه الأئمة مسلم وأحمد وأبو بكر ابن أبي شيبة وأخوه عثمان فرووه مطولاً عن إسماعيل بن علية نفسه، وفيه أنه سألها: أين الله؟.
    وأخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (41) وأبو داود (930) والنسائي في "الكبرى" (8535) وأحمد (23767) وأبو عوانة في مستخرجه (1728) والطبراني في "الكبير" (19/ 398) (938) والبغوي في "شرح السنة" (726) من طريق يحيى بن سعيد القطان عن حجاج الصواف ... به مطولاً أيضًا.
    وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (165) أخبرنا الفضل بن الحباب حدثنا محمد بن المثنى حدثنا بن أبي عدي عن حجاج الصواف... به مطولاً أيضًا.
    وابن أبي عدي هذا هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، وقيل: اسمه إبراهيم، وثقه أبو حاتم وغيره كما في السير (9/ 221).
    وحكم عليه الحافظ بالتوثيق كما في ترجمته في التقريب (5697).
    وحجاج الصواف هو: حجاج بن أبي عثمان الصواف، أبو الصلت، ثقة حافظ. التقريب (1131).
  2.  أبان بن يزيد العطار: وأخرجه الطيالسي (1201) حدثنا أبو داود قال: حدثنا حرب بن شداد، وأبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير... به.
    ومن طريق أبان بن يزيد أخرجه الدرامي في الرد على الجهمية (60) حدثنا مسلم بن إبراهيم الأزدي... به.
    وكذلك ابن أبي عاصم في السنة (489) من طريق أبان ... به.
    وكذلك اللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" (652): أخبرنا أحمد بن عبيد، قال: أخبرنا علي بن عبد الله بن مبشر، قال: ثنا أحمد بن سنان، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا أبان، يعني العطار، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير... به.
    وأخرجه ابن قدامة في إثبات صفة العلو (2) أخبرنا الشيخ أبو الفتح محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سليمان ثنا حمد بن أحمد الحداد، أنبأ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ أنبأ عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس، ثنا يونس بن حبيب، ثنا أبو داود الطيالسي، ثنا حرب بن شداد وأبان بن يزيد عن يحيى بن أبي كثير... به.
    وقال بعد إخراجه الحديث: هذا حديث صحيح، رواه مسلم في صحيحه، ومالك في موطئه، وغيرهما من الأئمة رحمهم الله عز وجل. ا.هـ.
    وأبان بن يزيد العطار، ثقة له أفراد. التقريب (143).
    وفي تهذيب الكمال: قال صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه : ثبت فى كل المشايخ.
  3. الأوزاعي: وأخرجه ابن خزيمة في "التوحيد" (1/ 278 – 283): حدثنا أبو هاشم زياد بن أيوب قال: ثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير... به.
ومن طريق الأوزاعي أخرجه الطبراني في الكبير (19/ 398) (937): حدثنا أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني، ثنا يحيى بن عبد الله البابلتي، ثنا الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير... به.
وكذلك ابن منده في "الإيمان" (91) أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى بن منده، ثنا أبو مسعود أحمد بن الفرات، أنبأ محمد بن يوسف، ثنا الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير ... به.
وكذلك البيهقي في الأسماء والصفات (890) أخبرنا أبو عبد الله إسحاق بن محمد بن يوسف السوسي، ثنا أبو العباس الأصم، أنا العباس بن الوليد بن مزيد، أخبرني أبي، ثنا الأوزاعي، ثنا يحيى بن أبي كثير ... به.
والأوزاعي هو إمام فقيه مشهور، واسمه: عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، قال الحافظ ابن حجر: ثقة جليل فقيه. التقريب (3967).

الطريق الثاني: طريق مالك بن أنس:
 ففي موطأ مالك رواية أبي مصعب الزهري (2730): حدثنا أبو مصعب، قال: حدثنا مالك، عن هلال بن أسامة، عن عطاء بن يسار، عن عمر بن الحكم، أنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، إن جارية لي كانت ترعى غنما لي، فجئتها ففقدت شاة من الغنم، فسألتها عنها، فقالت: قتلها الذئب فأسفت عليها، وكنت من بني آدم، فلطمت وجهها، وعلي رقبة، أفأعتقها؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ فقالت: في السماء قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله قال: أعتقها فإنها مؤمنة.
وكذلك ذكره البيهقي عن عمر بن الحكم (15266) من طريق الشافعي عن مالك عن هلال بن أبي أسامة ... به، وكذلك أخرجه ابن خزيمة في التوحيد (ص 283) من ثلاث طرق عن مالك عن هلال بن أسامة .... به.
قال الشافعي رحمه الله: اسم الرجل معاوية بن الحكم , كذا روى الزهري ويحيى بن أبي كثير , قال الشيخ رحمه الله: كذا رواه جماعة عن مالك بن أنس رحمه الله , ورواه يحيى بن يحيى عن مالك مجودا فقال عن معاوية بن الحكم قال في آخره: فقال: " أعتقها فإنها مؤمنة".
قلتُ: وأما طريق الزهري فلم أقف عليها، وأما اسم الصحابي فإنه معاوية، فقد قال المزي في ترجمته أنه معاوية، وأما عمر فإنه وهم.

الطريق الثالث: طريق فليح:
أخرجه ابن قانع في "معجم الصحابة" (3/ 73): حدثنا محمد بن أحمد بن البراء، نا معافى بن سليمان، نا فليح، عن هلال، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم أنه أراد عتق أمة له سوداء فأتى بها النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: «من ربك؟» قالت: الذي في السماء فقال لها: «من أنا؟» قالت: رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال «أعتقها؛ فإنها مؤمنة».
وفُلَيْح، هو ابن سليمان بن أبي المغيرة.
وهنا نلاحظ أن فليحًا هذا قد خالف مالكًا ويحيى بن أبي كثير، فرواه بلفظ: (من ربك؟) بينما رواه مالك ويحيى بن أبي كثير بلفظ: (أين الله؟).
وقبل الكلام على هذه المخالفة أنقل ما قاله نضال آلة رشى فى كتابه "رفع الغاشية"، حيث يقول:
وهذا سندٌ رجاله ثقات:
ابنُ قانع، وصفه الحافظ الذهبى بالإمام الحافظ البارع الصدوق إن شاء الله تعالى، والكلام فيه من جهة البرقانى مدفوع، قال الحافظ الخطيب البغدادى: (لا أدرى لماذا ضعفه البرقانى، فقد كان من أهل العلم والدارية والفهم، ورأيت عامة مشايخنا يوثقونه).
ومحمد بن أحمد بن البراء البغدادى قال عنه الحافظ الخطيب فى "تاريخه": ثقة.
ومثله معافى بن سليمان.
وأما فُلَيح فمن رجال الصحيحين.
وأنت ترى أن هذه الرواية ورواية مسلم سندهما عن هلال بن أبى ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم، ولفظ هذه الرواية يختلف عن لفظ مسلم، حيث قال هنا: ((من ربك؟)) ولم يقل لها: ((أين الله؟)) فهذا اضطراب فى متن هذه الرواية، والقصة متحدة.
مع أن لفظ ((قالت فى السماء)) محتمل أنها أشارت إلى السماء فلا تكون قد تكلمت بلسانها، وهو مجمع الروايات كما يأتى. ا.هـ. (ص 170).
أقـــول:
أما ابن قانع وهو صاحب الكتاب فلن أطيل الكلامَ على مرتبته، وإلا فإن الذهبى لم يجزم بكونه صدوقًا، بل قال - إن شاء الله تعالى -، وهذه العبارة من أدنى مراتب التعديل.
وأما توثيق الخطيب البغدادى فإنه اعتمد على توثيق مشايخه، ولعله أراد البغداديين، وهذا ما قاله البرقانى فإنه قال: البغداديون يوثقونه، وهو عندى ضعيف.
وقد قال تلميذه الدارقطنى: كان يحفظ، لكنه يُخطئ ويصر.

وأفحش فيه العبارة ابن حزم، ورد عليه ابن حجر فى اللسان، وختم الحافظ ترجمة ابن قانع فى "اللسان" بما نقله عن ابن فتحون:

وقال ابن فتحون في ذيل الاستيعاب: لم أر أحدا ممن ينسب إلى الحفظ أكثر أوهاما منه ولا أظلم أسانيد ولا أنكر متونا وعلى ذلك فقد روى عنه الجلة ووصفوه بالحفظ منهم أبو الحسن الدارقطني فمن دونه قال وكنت سألت الفقيه أبا يعلى يعني الصدفي في قراءة معجمة عليه فقال لي فيه أوهام كثيرة فإن تفرغت إلى التنبيه عليها فافعل قال فخرجت ذلك وسميته الأعلام والتعريف مما لابن قانع في معجمه من الأوهام والتصحيف. ا.هـ. (3/ 384).
قلتُ: ومما سبق يتبين حال ابن قانع، وأنه - كما قال الذهبى رحمه الله - صدوق إن شاء الله، وأنه كان يخطئ، وأن له أوهامًا فى معجمه، لا كما يدعى نضال أنه ثقة وأن الفصل فيه ما قاله الخطيب.
وأما معافى بن سليمان، فإليك كلام أهل العلم فيه لترى صحة قول نضال (ومثله معافى بن سليمان) أى: أنه ثقة:
معافى بن سليمان الرسعنى الجزرى ذكره ابن أبى حاتم وقال: سئل أبو زرعة عنه فذكره بجميل. الجرح والتعديل (8/ 400- 401).
وذكره ابن حبان فى الثقات (15991).
وقال عنه الحسن بن سليمان المعروف بـ"قبيطة": ثقة. تاريخ دمشق (13/ 109).
وقد بحثت فلم أجد من وثق معافى سوى قبيطة وابن حبان، ولذا لم يعتمد الحافظ الذهبى توثيقه بل قال عنه: وكان صدوقًا. تاريخ الإسلام (5/ 943).
وكذلك ابن حجر حيث قال عنه: صدوق. كما فى "التقريب" (ت 6744).
وأما توثيق نضال لفُلَيْح فكذب صريح قبيح، فإنه لما قال: وهذا سند رجاله ثقات، ولا شك أن فُلَيحًا من رواته، وفليح هذا لم يوثقه أحد، فالحكم على الإسناد بأن رجاله ثقات كذب.
وأما رواية البخارى ومسلم عنه فلا تفيده إلى حد كبير، فإنهما - البخارى ومسلم - يرويات عن فليح وأمثاله انتقاءً، وفى المتابعة.
قال الحافظ ابن حجر:
قوله فليح بصيغة التصغير هو بن سليمان أبو يحيى المدني من طبقة مالك وهو صدوق تكلم بعض الأئمة في حفظه ولم يخرج البخاري من حديثه في الأحكام إلا ما توبع عليه وأخرج له في المواعظ والآداب وما شاكلها طائفة من أفراده وهذا منها. فتح البارى (1/ 142).
وقد انتهى حكم الحافظ عليه بأنه: صدوق كثير الخطأ. التقريب (ت 5443).
وهنا فُلَيحٌ قد خالف فى روايته هذا الحديث مالكًا ويحيى بن أبى كثير.
فلابد من ترجمة الثلاثة حتى يتسنى لنا تقديم إحدى الروايتين على الأخرى.
أما فليح فهذه ترجمته من تهذيب الكمال (ترجمة 5443) : قال عثمان بن سعيد الدارمى عن يحيى بن معين: ضعيف، ما أقربه من أبى أويس.
و قال عباس الدورى، عن يحيى بن معين: ليس بقوى، و لا يحتج بحديثه، و هو دون الدراوردى، والدراوردى أثبت منه .
و قال أبو حاتم: ليس بالقوى .
و قال أبو عبيد الآجرى: سألت أبا داود : أبلغلك عن يحيى بن سعيد أنه كان يقشعر من أحاديث فليح؟ قال : بلغنى عن يحيى بن معين، قال: كان أبو كامل مظفر بن مدرك يتكلم في فليح ، قال أبو كامل: كانوا يرون أنه يتناول رجال الزهري. قال أبو داود: و هذا خطأ عسى يتناول رجال مالك.
و قال أيضا: قلت لأبى داود : قال يحيى بن معين: عاصم بن عبيد الله، و ابن عقيل ـ يعنى عبد الله بن محمد بن عقيل ـ و فليح لا يحتج بحديثهم . قال: صدق .
و قال النسائي: ضعيف.
و قال في موضع آخر: ليس بالقوى .
و قال أبو أحمد ابن عدى: و لفليح أحاديث صالحة يروى عن نافع عن ابن عمر نسخة، و يروى عن هلال بن على عن عبد الرحمن بن أبى عمرة عن أبى هريرة، و يروى عن سائر الشيوخ من أهل المدينة مثل أبى النضر و غيره أحاديث مستقيمة، و غرائب،  و قد اعتمده البخاري في صحاحه، و روى عنه الكثير، و قد روى عنه زيد بن أبى أنيسة، و هو عندي لا بأس به.
قال البخاري: قال سعيد بن منصور: مات سنة ثمان و ستين و مئة.
قال أبو بكر الخطيب: حدث عنه زيد بن أبى أنيسة، و أبو الربيع الزهراني، و بين وفاتيهما مائة و عشر أو تسع أو ثمان سنين. روى له الجماعة. ا.هـ.
ومن نظر إلى ترجمته في التهذيب وتهذيبه وجد أنه مختلف في تعديله وتجريحه:
فعدَّله: ابن حبان، والساجي، وأبو عبد الله الحاكم، وابن عدي.
وجرَّحه: يحيى بن معين، وأبو حاتم، وأبو داود، والنسائي، وأبو أحمد الحاكم.
وبعيدًا عن الجزم بأحد الأمرين: تعديله أو تجريحه، فما يهمنا في هذا الأمر هل نرجِّح روايته إذا خالف مالكًا ويحيى بن أبي كثير؟
والجواب: كلا، وألف كلا، فالإمام مالك متفق على جلالته وإمامته وحفظه وهو أحد الأئمة الفقهاء الأربعة.
ويحيى بن أبي كثير هو الطائي مولاهم أبو نصر اليمامي، قال عنه ابن حجر: ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل. التقريب (7632).
وأما بالنسبة لتدليسه وإرساله، فهو هنا قد أسند الحديث، وصرَّح بالتحديث كما في مسند أحمد (23767).
فمما لا شك فيه أن رواية هذين الإمامين مقدمة قطعًا على رواية فُلَيح المختلف فيه.







الاثنين، 5 سبتمبر 2016

من هم أهل السنة والجماعة

بواسطة : Unknown بتاريخ : 12:32 م


بسم الله الرحمن الرحيم

من هم علماء أهل السنة والجماعة؟

 من هم العلماء الذين يسير على دربهم السلفيون في هذا العصر؟
 هؤلاء بعض علماء أهل السنة على مر العصور
 ممن لم يكونوا على عقيدة الأشاعرة قبل ظهورهم وبعد ظهورهم، ولهم أقوال ظاهرة في العقائد تخالف عقائد الأشعرية تمامًا، وبعض هؤلاء العلماء صرَّح بتضليل وتبديع الأشاعرة:

فمن هؤلاء العلماء

أولاً: الصحابة كلهم.
ثانيًا: التابعون كلهم.
ثالثًا: تابعو التابعين.
رابعًا: علماء أهل السنة من أهل التفسير وعلوم القرآن: ابن أبي حاتم، وإمام المفسرين ابن جرير الطبري، وأبو أحمد الكرجي القصاب، وأبو المظفر السمعاني، والبغوي، وابن القيم، وابن كثير، والشنقيطي، والقاسمي، وغيرهم.
ومن الحديث وعلومه: إسحاق بن راهويه، محمد بن يوسف الفريابي، وقتيبة بن سعيد، والبخاري، ومسلم، والحميدي، وأبو داود، وابنه، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، ويحيى بن معين، ونعيم بن حماد، وأبو عاصم خشيش بن أصرم، وأبو بكر ابن أبي شيبة، وعثمان بن أبي شيبة، وأبو بكر ابن أبي عاصم، وعثمان بن سعيد الدارمي، وعبد الله بن أحمد، وأبو عوانة، وأبو الشيخ الأصبهاني، والطبراني، وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، وابن أبي حاتم، وابن خزيمة، والدارقطني، وأبو عبد الله الحاكم، وأبو أحمد الحاكم، وأبو موسى المديني، وعبد الحق الإشبيلي، والسِّلَفي، وأبو عمرو ابن الصلاح، وأبو الحجاج المزي، والمعلمى اليمانى وناصر الدين الألبانى وخلائق سواهم.
ومن أهل اللغة: الخليل بن أحمد، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وابن الأعرابي، وابن قتيبة، وأبو محمد الخشاب، وأبو البقاء العكبري، وأبو زكريا الصرصري، وابن المِبرَد، وغيرهم.
ومن الحنفية: إمام المذهب أبو حنيفة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وحيان بن بشر، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وزفر، وابن طهمان، ويحيى بن معين، والحكم بن معبد، وأبو جعفر الطحاوي، وابن المظفر الرازي، وابن المختار الرازي، وابن أبي العز الحنفي، وولى الله الدهلوى، وغيرهم.
ومن المالكية: الإمام مالك، وابن القاسم، وسحنون، وأشهب، وأصبغ، وابن وهب، وابن الماجشون، وابن حبيب، وابن أبي زيد القيروانى "مالك الصغير"، والداودى أول شارح لصحيح البخارى، ومكي بن أبي طالب، وابن خويزمنداد، وابن أبي زمنين، وأبو الوليد الفرضي، وأبو عمرو ابن عبد البر، وأبو عمر الطلمنكي، وأحمد بن مشرف الأحسائي، والشنقيطي، وخلائق سواهم.
ومن الشافعية: الشافعي، والمزني، والبويطي، وابن سريج، وإمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبو بكر الإسماعيلي، والآجري، وأبو أحمد الكرجي القصاب، وأبو حامد الاسفراييني، والزنجاني، وأبو نصر السجزي، وأبو عثمان الصابوني، وشيخ الحرمين أبو الحسن الكرجي، ويحيى بن أبي الخير اليماني العمراني، وأبو القاسم الطبري اللالكائي، وزيد اليفاعي، وإسماعيل التيمي، ومسعود العنسي، وأبو طاهر السلفي، وابن العطار، وابن شيخ الحزامين، وأبو الحجاج المزي، والذهبي، وابن كثير، وابن ناصر الدين، وابن الموصلي، وساجقلى زادة "أبو بكر المرعشى" فقد ترك عقيدة الأشاعرة واتبع عقيدة أهل السنة والجماعة فى آخر عمره، وإبراهيم الكورانى فى أواخر عمره، والسويدى والمعلمي اليماني، وخلائق.
ومن الحنابلة: الإمام أحمد، وابناه صالح وعبد الله، وحرب الكرماني، والخلال، والبربهاري، وشيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي، وابن أبي يعلى، وآل منده بأسرهم، وعلم الأولياء عبد القادر الجيلاني، والمقادسة: عبد الغني، وابن قدامة، وابن راجح، والضياء، والبهاء، وغيرهم، وابن نقطة، وأبو إسحاق العلثي، وعبد الساتر بن عبد الحميد، ومجد الدين ابن تيمية، وحفيده شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام ابن القيم، وابن عبد الهادي، وابن رجب الحنبلي، وابن مفلح، والمرداوي، وابن المبرد الحنبلي، وبدر الدين البعلي، وعز الدين الكناني، وابن النجار، وأحمد بن عبد الله العسكرى، وأحمد بن يحيى عطوة، وعبد الباقي البعلي، والسفاريني، ومحمد بن عبد الوهاب، وسائر أئمة الدعوة.
وقد أقر ابن عساكر أن جمهور الأمة والسواد الأعظم ليسوا أشاعرة، حيث قال: فإن قيل إن الجم الغفير في سائر الأزمان وأكثر العامة في جميع البلدان لا يقتدون بالأشعري ولا يقلدونه ولا يرون مذهبه ولا يعتقدونه وهم السواد الأعظم وسبيلهم السبيل الأقوم... . تبيين كذب المفتري (ص 331).
لكنه اعتبر أن الكثرة ليست ميزان الحق، ولا عبرة بمذهب العوام والجهال.
وهذا القول من ابن عساكر يبطل دعوى الأشاعرة أنهم أكثر الأمة.
في حين أن ابن عساكر ذكر قرابة ثمانين عالمًا كانوا أشاعرة، وقد رد عليه العلامة الحافظ ابن المبرد الحنبلي، وذكر أكثر من أربعمائة عالم كانوا مجانبين للأشاعرة، وكان أكثرهم يبدع الأشاعرة وإن كان لا يظهر ذلك لسطوة وجبروت الأشاعرة على مر العصور.
ثم قال ابن المِبرَد: ووالله ثم والله لما تركنا أكثر ممن ذكرنا، ولو ذهبنا نستقصي ونتتبع كل من جانبهم من يومهم إلى الآن لزادوا على عشرة آلاف نفس. "جمع الجيوش والدساكر في الرد على ابن عساكر".
وسنبين – إن شاء الله – أقوال من ذكرناه في العقيدة وبيان أنهم لم يكونوا أشاعرة في منشورات لاحقة، وبالله توفيقنا.

الأحد، 4 سبتمبر 2016

7- الإمام أحمد بن حنبل يثبت علو الله على عرشه

بواسطة : Unknown بتاريخ : 2:22 م


الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى - يثبت علو الله على عرشه

حافظ الدنيا، إمام أهل السنة، الثابت في المحن، علم الأعلام، شيخ الإسلام، رضي الله عنه.

قال يوسف بن موسى القطان شيخ أبي بكر الخلال قيل لأبي عبد الله الله فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه وقدرته وعلمه بكل مكان قال: نعم هو على عرشه ولا يخلو شيء من علمه.

ذكره الذهبي في "العلو" (ص 176).

وهذا إسناد حسن، يوسف بن موسى القطان صدوق، والخلال إمام جبل.

وأخرجه ابن بطة في "الإبانة" (7/ 159) واللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد" (674) وابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة" (1/ 421) وابن قدامة في "إثبات صفة العلو" (ص 167) والذهبي في "العلو" (ص 176).

يقول السقاف: لم أجد هذا في سنة الخلال التي بين يدي!! وإن صح مثل هذا عن أحمد فهو مردود عليه!! كما هو مردود عليه القول بأن القرآن غير مخلوق!! وأقوال الرجال لا حجة فيها!! وهذا الكلام المذكور هنا من أبطل الباطل!!. (ص 457).

ولم يتجرأ السقاف بالجزم بالحكم بوضع هذه الآثار عن الإمام أحمد – رحمه الله –، بل اضطرب اضطرابًا شديدًا فقد قال وهو يتكلم عن موقف الإمام أحمد في صفة العلو: (وطريقة أحمد معروفة) وهذا يعني أنه بلا شك يثبت أن الله في السماء.

ثم اضطرب السقاف فقال: وفي كلامه أمور باطلة مردودة إن ثبتت عنه.

وإننا لنسأل السقاف: فماذا ستقول في الإمام أحمد إذا ثبت عنه أنه يثبت العلو؟! هل ستحكم عليه بأنه حشوي مجسم مشبه كما حكمت على أكثر أتباعه، بل جعلت الحنابلة وكأنهم كلهم مجسمة إلا القليل كابن الجوزي وابن عقيل ومن تبعهما؟!

وأما أنك لم تجد هذا الأثر في سنة الخلال فلا إشكال في ذلك، فسنة الخلال فيها أجزاء مفقودة، فإن لم نجد هذا الأثر فيما وجد من سنة الخلال فهو بلا شك موجود في الأجزاء التي فقدت.

وقال الإمام أحمد في كتاب "الرد على الزنادقة والجهمية": وقد أخبرنا – أي رب العالمين – أنه في السماء. ثم ذكر آيات العلو ثم قال: فهذا خبر الله، أخبرنا أنه في السماء. (ص 290)، وذكره الذهبي في "العرش" (ص 319- 321).

وقال أيضًا: وهو على العرش، وقد أحاط علمه بما دون العرش، لا يخلو من علم الله مكان، ولا يكون علم الله في مكان دون مكان. (ص 293).

وإن كان السقاف يستدل بكلام الذهبي – رحمه الله – على عدم صحة كتاب الرد على الزنادقة والجهمية – وكلامه غير صحيح –، فقد ذكر الذهبي نفسه في السير أن الإمام أحمد وأتباعه – إلا من شذ – يثبتون صفة العلو، فقد قال في السير في ترجمة الشيخ عبد القادر الجيلي: قلت: يشير إلى إثباته صفة العلو ونحو ذلك، ومذهب الحنابلة في ذلك معلوم، يمشون خلف ما ثبت عن إمامهم -رحمه الله- إلا من يشذ منهم، وتوسع في العبارة. (20/ 443).

وأخرج ابن بطة في الإبانة (7/ 158- 159). حدثنا أبو حفص عمر بن محمد بن رجاء قال: ثنا أبو جعفر محمد بن داود البصروي قال: ثنا أبو بكر المروذي، قال: سمعت أبا عبد الله، وقيل، له روى علي بن الحسن بن شقيق، عن ابن المبارك، أنه قيل له: كيف نعرف الله؟ قال: على العرش بحد، فقال: بلغني ذلك عنه وأعجبه، ثم قال أبو عبد الله: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة﴾ [البقرة: 210]، ثم قال: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ [الفجر: 22].

وعمر بن محمد بن رجاء صدوق كما قال الخطيب في "تاريخ بغداد" (13/ 93).

وقال عنه الذهبي: وكان عبدًا صالحًا ديِّنًا، ثقة، كبير القدر، من أئمة الحنابلة. تاريخ الإسلام (7/ 578).

ومحمد بن داود لعله أبو جعفر المصيصي ثقة كما في "التقريب" ترجمة (5869).

وأبو بكر المروذي ثقة إمام.

ولا يخفى أن ذكرنا أن استدلال الإمام أحمد بأثر الإمام مالك كما في الشريعة للآجري (653) وقد سبق تخريج أثر الإمام مالك – رحمه الله – وإثبات صحته، فلو كان الإمام أحمد غير معتقد لهذا القول لما قاله ولما احتج به.

وقال ابن بطة: حدثنا أبو حفص عمر بن محمد بن رجاء قال: ثنا أبو نصر عصمة بن أبي عصمة قال: ثنا الفضل بن زياد، قال: ثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل قال: ثنا نوح بن ميمون، قال: ثنا بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن الضحاك، ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ [المجادلة: 7]، قال: هو على العرش وعلمه معهم، قال أحمد: هذه السنة.

ولقد روى الإمام أحمد آثار العلو عن الأئمة واحتج بها هو وتلميذه أبو داود كما في المسائل تحب "باب في الجهمية"، وقد نقلنا بعضًا من ذلك.

وقال الميموني: سألته فيما بيني وبينه، واستفهمته واستثبته، قلت: يا أبا عبد الله , قد بلينا لهؤلاء الجهمية، ما تقول في من قال: إن الله ليس على العرش؟ قال: كلامهم كلهم يدور على الكفر. العلل ومعرفة الرجال (ص 197).

يقول السقاف: لكن نُقِل عن أحمد إثبات التأويل والمجاز، وتنزيه الله عن الجسمية وغير ذلك.  (ص 457).

وهذا غير صحيح إطلاقًا، وأما عن تأويل الإمام أحمد – رحمه الله – صفة المجيء بمجيء أمره، فمردود عليه من أوجه ذكرها الحافظ ابن رجب في "فتح الباري"، حيث قال: وقد روي عن الإمام أحمد، أنه قال في مجيئه: هو مجيء أمره.

وهذا مما تفرد به حنبل عنه، فمن أصحابنا من قال: وهم حنبل فيما روى، وهو خلاف مذهبه المعروف المتواتر عنه. وكان أبو بكر الخلال وصاحبه لا يثبتان بما تفرد به حنبل، عن أحمد رواية.

ومن متأخريهم من قال: هو رواية عنه، بتأويل كل ما كان من جنس المجيء والإتيان ونحوهما.

ومنهم من قال: إنما قال ذلك إلزاماً لمن ناظره في القرآن، فأنهم استدلوا على خلقه بمجيء القرآن، فقال: إنما يجيء ثوابه، كقوله: ﴿وجاء ربك﴾ ، أي: كما تقولون أنتم في مجيء الله، أنه مجيء أمره. وهذا أصح المسالك في هذا المروي.

وأصحابنا في هذا على ثلاث فرق:

فمنهم من يثبت المجيء والإتيان، ويصرح بلوازم ذلك في المخلوقات، وربما ذكروه عن أحمد من وجوه لا تصح أسانيدها عنه.

ومنهم من يتأول ذلك على مجيء أمره.

ومنهم من يقر ذلك، ويمره كما جاء، ولا يفسره، ويقول: هو مجيء وإتيان يليق بجلال الله وعظمته سبحانه.

وهذا هو الصحيح عن أحمد، ومن قبله من السلف، وهو قول إسحاق وغيره من الأئمة.

وكان السلف ينسبون تأويل هذه الآيات والأحاديث الصحيحة إلى الجهمية؛ لأن جهماً وأصحابه أول من أشتهر عنهم أن الله تعالى منزه عما دلت عليه هذه النصوص بأدلة العقول التي سموها أدلة قطعية هي المحكمات، وجعلوا ألفاظ الكتاب والسنة هي المتشابهات فعرضوا ما فيها على تلك الخيالات، فقبلوا ما دلت على ثبوته بزعمهم، وردوا ما دلت على نفيه بزعمهم، ووافقهم على ذلك سائر طوائف أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم.

وزعموا أن ظاهر ما يدل عليه الكتاب والسنة تشبيه وتجسيم وضلال، واشتقوا من ذلك لمن آمن بما أنزل الله على رسوله أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، بل هي افتراء على الله، ينفرون بها عن الإيمان بالله ورسوله.

وزعموا أن ما ورد في الكتاب والسنة من ذلك - مع كثرته وانتشاره - من باب التوسع والتجوز، وأنه يحمل على مجازات اللغة المستبعدة، وهذا من أعظم أبواب القدح في الشريعة المحكمة المطهرة، وهو من جنس حمل الباطنية نصوص الإخبار عن الغيوب كالمعاد والجنة والنار على التوسع والمجاز دون الحقيقة، وحملهم نصوص الأمر والنهي على مثل ذلك، وهذا كله مروق عن دين الإسلام. (7/ 229- 231).

وللحافظ ابن رجب كلام نفيس حول الصفات بعد هذا النقل الذي نقلناه. والله الموفق والمستعان.

وأما ما نسب للإمام أحمد – رحمه الله – من تنزيه الله عن التجسيم، أو تكفير المجسم كمثل الذي نقله الزركشي في "جمع الجوامع" (4/ 648) عن صاحب الخصال أن الإمام أحمد كفّر من قال بأن الله جسم لا كالأجسام.

كل ما نسب إلى الإمام أحمد من ذلك لا إسناد له، وكل كلام بلا إسناد لا قيمة له، سيما وأن بين الزركشي وصاحب الخصال وبين الإمام أحمد – رحمهم الله – مفاوزًا.

الأربعاء، 31 أغسطس 2016

الله مستقر على عرشه، استقرارًا يليق بجلاله ليس كاستقرارنا، وإن رغمت أنوف الجهمية

بواسطة : Unknown بتاريخ : 3:03 م


تفسير استواء الله على العرش تفسير صحيح لم ينكره السلف ولا من تبعهم من الخلف:

أولاً: للاستواء عدة معان في اللغة، منها الاستقرار:

 وتفسير الاستواء – بصفة عامة – بالاستقرار لم ينكره أحد من أهل اللغة.
يقول الإمام القرطبي: والاستواء في كلام العرب هو العلو والاستقرار. الجامع لأحكام القرآن (7/ 220).
وقال أبو حيان: والاستواء هو الاستقرار. البحر المحيط (1/ 217).
بل يرى أبو البقاء الحنفي أن المعنى القريب للاستواء هو الاستقرار، حيث قال: إذ للاستواء معنيان: قريب وهو الاستقرار، وبعيد وهو الاستيلاء. الكليات (ص 277).
وقد أقر بذلك الزحيلي والشعراوي، يقول وهبة الزحيلي: اسْتَوى في اللغة: استقر، أو قصد أو استولى وملك. التفسير المنير (8/ 231).
ويقول الشعراوي وهو يتحدث عن الاستواء: وقالوا في المعنى [أي معنى الاستواء]:
فلهم عبارات عليها أربع 
قد حصلت للفارس الطعان
  
وهي استقر وقد علا وكذلك ار
تفع الذي ما فيه من نكران
  
وكذاك قد صعد الذي هو رابع
 
بتمام أمر من حمى الرحمن
  
تفسير الشعراوي (12/ 7172).
وكذلك نرى أن اللغويين – ومنهم الأشاعرة – يقرون بأن الاستقرار هو أحد معاني الاستواء، بل هو المعنى القريب له، وإن كانت الأشعرية يؤولونه.
وعليه فلو فسرنا استواء الله بالاستقرار لكان تفسيرنا له صحيحًا مطابقًا لمقتضى اللغة، بل هو الأصل، إذ الأصل أن يُحمل الكلام على معانيه القريبة، ولا ينتقل إلى المعنى البعيد إلا بحجة واضحة.

ثانيًا: المتبادر إلى الذهن هو تفسير الاستواء بالاستقرار في العلو:

فمثلا: إذا قلت استوت السحابة فوق البيت، أي: استقرت.
وكما قال – تعالى –: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾، يقول الإمام البغوي: (وَاسْتَوَتْ) يَعْنِي السفينة: استقرّت (عَلَى الْجُودِيِّ). تفسير البغوي (2/ 451).
وقال – تعالى –: ﴿ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ أي: لستعلوا وتستقروا في العلو.

ثالثًا: ذكر الأئمة الذين فسروا استواء الله على العرش:

يقول الإمام ابن قتيبة استواء الله على العرش بالاستقرار، حيث قال: قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، أي: استقر. تأويل مختلف الحديث (ص 394).

لقد ذكر أبو عمر الطلمنكي تفسير الاستواء بالاستقرار عن عبد الله بن المبارك وغيره من أئمة السلف.
يقول شيخ الإسلام: وقد ذهب طائفة من أهل العلم إلى تفسير الاستواء بالاستقرار، كما قال الإمام أبو عمر الطلمنكي – رحمه الله –: وقال عبد الله بن المبارك ومن تابعه من أهل العلم - وهم كثير - إن معنى استوى على العرش : استقر، وهو قول القتيبي. شرح حديث النزول (ص 145).
والقتيبي هو الإمام العلامة اللغوي ابن قتيبة – رحمه الله تعالى –، وقد ذكرنا قوله.
ويقول الإمام القصاب – رحمه الله تعالى – (ت 360هـ): قوله – تعالى –: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} حجة على الجهمية؛ لأن الاستواء في هذا الموضع هو الاستقرار، فقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} أي: استقر عليه، فهو بما استقل العرش منه – جل جلاله – له حد عند نفسه، لا بحد يدركه خلقه، والمحيط بالأشياء علمه – سبحانه –. نكت القرآن (1/ 426- 427).
ويقول حافظ الدنيا ابن عبد البر – رحمه الله تعالى – وهو يتكلم عن صفة استواء الله على العرش: وجل الله - عز وجل - عن أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه.
ثم قال: الاستواء: الاستقرار في العلو وبهذا خاطبنا الله عز وجل وقال: ﴿لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه﴾، وقال: ﴿واستوت على الجودي﴾، وقال: ﴿فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك﴾. التمهيد (7/ 131).
بل إن ابن الملقن يقول: وقال كثير من أهل اللغة: إن معنى ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾: استقر؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: 28]. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (33/ 288).
رابعًا: لا يلزم من تفسير استواء الله على العرش بالاستقرار أن يكون العرش حاملاً لله – عز وجل – والعياذ بالله:
وهذا ليس لازمًا في عالم الشاهد، فضلاً عن لزومه في صفات الله – عز وجل –، فإنك لو قلت: استوت السحابة فوق البيت، فلا يقول عاقل بأن البيت يحمل السحابة.
رابعًا: لا يلزم من تفسير استواء الله على العرش بالاستقرار أن يكون هذا الاستقرار بعد سبق اضطراب؛ فإن هذا لا يقول به عاقل، فإن الاضطراب ضد الاستقرار، وليس نقيضه، ومن المعلوم أن الضدين قد يرتفعان معًا، فهذان الضدان - الاستقرار والاضطراب - قبل خلق السماوات والأرض لم يثبتا لله - عز وجل-، ولكن الاستقرار ثبت بعد خلق السماوات والأرض، وضده مرتفع أزلا وأبدًا.
فإن قيل: القابل للشيء لا يخلو منه أو من ضده؟
قلنا: بل الاضطراب محال على الله - تعالى - لكونه صفة نقص، فخلوه واجب لله - عز وجل-، وخلو ضده جائز الثبوت وعدمه.
وإذا ثبت هذا فقول الرازي: وأن أحدًا ما رأى أنه - تعالى - استقر على العرش. مفاتيح الغيب (18/ 526) قول باطل، فإما أن الرازي جاهل بآثار السلف ومن تبعهم، أو أنه لا يعتبر لكلامهم قيمة لكونهم حشوية عنده.
وكلا الأمرين غير بعيد، فإن الرازي - كما يقول الحافظ الذهبي - عرِيٌّ من الآثار، ويعتبر كثيرًا من أئمة أهل السنة حشوية كما يظهر ذلك لمن يقرأ كتبه سيما تأسيس التقديس، كيف لا وهو الذي وصف كتاب إمام الأئمة ابن خزيمة بكتاب الشرك!
لذا فإن كلام الرازي لا قيمة له، بل هو حجة عليه وعلى أهل نحلته.
وبهذا يتبين أن تفسير استواء الله على العرش باستقراره عليه تفسير صحيح لغة وشرعًا وعقلاً، ولم ينكره أحدٌ من السلف، وإنما لم يفسره كثير منهم لأمرين:
الأول: أن هذا التفسير معلومٌ بمجرد فهم اللغة، ويشير لذلك قول الإمام مالك - رحمه الله تعالى -: الاستواء غير مجهول.
واللام في "الاستواء" للعهد، والمعهود هو خصوص استواء الله على العرش.
ويؤكد أن مراد الإمام مالك بالاستواء هو استواء الله على العرش خاصة: أنه هو المسؤول عنه، فالسائل لم يسأله عن الاستواء بصفة عامة وإنما سأله عن استواء الله على العرش.
وأيضًا ثبت في روايات أخرى كما في تاريخ أصبهان لأبي الشيخ (2/ 214) أنه قال: الاستواء منــــه غير مجهول... فكلامه نص صريح في أنه يتكلم عن استواء الله - عز وجل -، أي أن الاستواء من الله غير مجهول، وإنما المجهول هو الكيف.
وقوله (غير مجهول) يفيد أن استواء الله معناه غير مجهول، ويبعد تأويل كلام الإمام أن الاستواء غير مجهول وروده في الشرع، فإن هذا أمر معلوم بالبداهة لا يحتاج إلى تنبيه من الإمام سيما في هذا الموقف الذي جعله يعرق عرقًا شديدًا.
ثم إنه أكَّد هذا بقوله (والكيف غير معقول) ومن لا يثبت للاستواء معنى، لا حاجة لأن يقول مثل هذا.
ولم يقل الإمام مالك ولا غيره من أئمة السلف أن الاستواء المعلوم في اللغة - الاستقرار في العلو - منفي عن الله.
بل إن قوله (الاستواء معلوم) أو (غير مجهول) يؤكد أن استواء الله على العرش هو المعلوم في اللغة، وإنما المنفي هو مماثلة كيفية استواء الله على العرش باستواء البشر.
ولم ينكر أحدٌ أن تفسير الاستواء بالاستقرار صحيح، حتى من أنكر تفسير استواء الله على العرش بالاستقرار من متأخري المتكلمين لا ينكر أن هذا التفسير صحيح لغة، إلا أنه ينكره لأجل أنه يخالف براهين عقله، وإن شئتَ فقل: براهين عقل الفلاسفة وأفراخهم.
والسبب الثاني الذي منع كثيرًا من أئمة السلف من تفسير الاستواء: كي لا يخوض الناس في صفات الله - عز وجل - من البحث عن الكيفية فإن ذلك سيؤدي قطعًا إما إلى التشبيه، أو إلى التعطيل، ولأجل هذا كان الإمام مالك ينهى عن التحديث بأخبار الصفات سدًّا للذريعة، بل يكفي المسلم الإيمان المجمل بإثبات كل ما أثبته الله لنفسه، ونفي كل ما نفاه الله عن نفسه دون البحث عن وراء ذلك.
على أنه قد ورد عن بعض الأئمة أن السلف فسروا صفات الله - عز وجل -، فقد فسر أكثر السلف الاستواء بالعلو وبالارتفاع، وبعضهم - كابن المبارك وابن قتيبة وغيرهما- فسروه بالاستقرار في العلو، بل وأنكروا على الجهمية تأويل الاستواء بالاستيلاء، ولم ينكر أحد منهم تفسير الاستواء بالاستقرار ولو كان ذلك مفضيًا إلى الضلالة والتشبيه لما وسعهم السكوت عنه.
هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تعديل : عبدالرحيم